![]() |
| مباراة السعودية وعُمان من الناحية التحليلية |
لم تعد مباريات كرة القدم الخليجية مجرد 90 دقيقة داخل الملعب، خصوصًا عندما تستضيف مدينة كبيرة بطولة تجمع جماهير من عدة دول في مكان واحد. مباراة السعودية وعُمان في «خليجي 27» التي أقيمت في جدة قدمت نموذجًا واضحًا لهذه التجربة؛ فالجماهير التي جاءت لمتابعة منتخباتها لم تكن تبحث عن مشاهدة المباراة فقط، وإنما وجدت نفسها أمام فرصة لاكتشاف مدينة جديدة، وزيارة معالمها، وتجربة مطاعمها وواجهاتها البحرية وأسواقها ومواقعها التاريخية.
من خلال هذا المقال القصير على موقع صوت الخليج سوف نتعمق قليلًا في هذا الأمر حيث انتهت مباراة المنتخب السعودي وعُمان بفوز الأخضر بثلاثة أهداف دون مقابل على ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة، وسجل فراس البريكان هدفين، بينما أضاف حسن كادش الهدف الثالث، ليحقق المنتخب السعودي انتصاره الثاني في البطولة ويضمن التأهل إلى نصف النهائي.
لكن بعيدًا عن النتيجة والأداء داخل الملعب، تكشف المباراة عن جانب آخر مهم: كيف يمكن للمباريات الخليجية أن تتحول إلى سبب للسفر، وكيف تصبح المدينة المستضيفة جزءًا من تجربة المشجع؟
من مباراة كرة قدم إلى رحلة قصيرة في جدة
عندما يسافر مشجع من مدينة أو دولة خليجية لحضور مباراة، فإن الرحلة لا تبدأ عند بوابة الملعب ولا تنتهي مع صافرة الحكم. غالبًا ما يحتاج المشجع إلى وسيلة نقل وإقامة ومطاعم وأماكن للترفيه، وقد يخصص وقتًا قبل المباراة أو بعدها لاستكشاف المدينة.
وهذا ما ظهر بوضوح خلال «خليجي 27» في جدة. فقد أشارت وكالة الأنباء السعودية إلى وصول جماهير من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج لحضور المباريات والاستفادة في الوقت نفسه من الخيارات السياحية والترفيهية التي تقدمها جدة، من الواجهة البحرية والمطاعم والمقاهي ومراكز التسوق إلى الأنشطة الترفيهية.
وهنا تظهر فكرة السياحة الرياضية؛ فالحدث الرياضي يكون هو الدافع الأساسي للزيارة، بينما تتحول بقية عناصر المدينة إلى جزء من الرحلة.
وقد يقرر المشجع القادم لحضور مباراة السعودية وعُمان مثلًا أن يصل إلى جدة قبل موعد اللقاء بساعات أو بيوم، ثم يخصص وقتًا للواجهة البحرية، أو يتناول الطعام في أحد المطاعم، أو يزور منطقة تاريخية قبل العودة إلى مكان إقامته. وبهذه الطريقة تتحول تذكرة المباراة إلى نقطة بداية لتجربة سياحية أكبر.
لماذا تناسب جدة استضافة مباريات خليجية جماهيرية؟
تتمتع جدة بمزيج من العناصر التي تجعلها مناسبة لاستقبال المشجع الرياضي القادم من داخل السعودية أو من دول الخليج. فالمدينة تجمع بين البحر والتاريخ والترفيه والتسوق والمطاعم، إضافة إلى وجود منشآت رياضية قادرة على استضافة المباريات والفعاليات الكبرى.
وتقام منافسات «خليجي 27» في جدة على ملعبي مدينة الملك عبدالله الرياضية ومدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية، خلال الفترة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، بمشاركة ثمانية منتخبات خليجية. كما اختيرت جدة التاريخية لاستضافة مراسم قرعة البطولة، في إشارة إلى تقديم الحدث الرياضي ضمن تجربة تجمع بين الرياضة والثقافة والتراث.
وهذا الدمج مهم جدًا بالنسبة للسائح الرياضي؛ لأن المشجع القادم من خارج المدينة لا يحتاج إلى قضاء رحلته بالكامل داخل الملعب. بل يمكن أن يصبح حضور المباراة جزءًا من برنامج يوم أو عطلة قصيرة.
وتبرز جدة التاريخية تحديدًا كعنصر مهم في هذه التجربة. فقد رصدت وكالة الأنباء السعودية إقبال جماهير البطولة على المنطقة التاريخية، حيث زار المشجعون المحال والأسواق والمطاعم والمقاهي، واستمتعوا بالمباني التراثية والأجواء الثقافية للمنطقة.
وهكذا يمكن للمشجع أن ينتقل خلال الرحلة نفسها من أجواء المدرجات والهتافات إلى الأزقة التاريخية والأسواق والمطاعم، وهو ما يمنح الرحلة طابعًا مختلفًا عن السفر لحضور مباراة فقط.
مباريات الخليج يمكن أن تصنع حركة سياحية عابرة للحدود
تتميز بطولات الخليج بوجود قاعدة جماهيرية لديها روابط رياضية وثقافية قوية. ولذلك فإن انتقال المنتخب إلى مدينة أخرى لا يعني انتقال اللاعبين فقط، بل قد يصاحبه انتقال أعداد من المشجعين الذين يرغبون في مؤازرة فرقهم من المدرجات.
وهذا النوع من السفر قد يكون قصيرًا لكنه مؤثر اقتصاديًا. فالمشجع يحتاج إلى تذكرة، وتنقل، وطعام، وربما فندق أو شقة فندقية، وقد يشتري منتجات تذكارية أو يستفيد من الأنشطة السياحية والترفيهية الموجودة في المدينة.
ومع ارتفاع أهمية تجربة المشجع، تصبح المدينة المستضيفة نفسها جزءًا من المنافسة على جذب الزائر. فالمشجع لا يتذكر فقط نتيجة المباراة، وإنما يتذكر أيضًا سهولة الوصول إلى الملعب، جودة المواصلات، خيارات المطاعم، الأماكن التي زارها، والأجواء العامة في المدينة.
ومن اللافت أن تنظيم «خليجي 27» في جدة جاء بالفعل مصحوبًا بأنشطة تتجاوز المباريات. فقد شهدت جدة التاريخية تجمعات لجماهير المنتخبات المشاركة، في فعاليات جمعت بين تشجيع الفرق والتعرف على التراث والثقافة المحلية.
وهذا النموذج يوضح كيف يمكن للبطولة الرياضية أن تصبح منصة لتعريف الزوار بالمدينة، وليس مجرد مناسبة رياضية مؤقتة.
تجربة المدرجات جزء من المنتج السياحي
حتى المباراة نفسها يمكن النظر إليها باعتبارها تجربة سياحية متكاملة. فالمشجع الذي يشتري تذكرة لا يشتري مقعدًا فقط؛ وإنما يشتري فرصة للعيش وسط أجواء جماهيرية مرتبطة بحدث يجمع عدة دول وثقافات رياضية.
وفي «خليجي 27»، تم تحديث أسعار التذاكر لتوفير عدة فئات للجماهير، حيث تراوحت أسعار تذاكر دور المجموعات بين 20 و100 ريال بحسب الفئة، بينما تبدأ أسعار مباريات نصف النهائي والنهائي من 30 ريالًا وتصل إلى 150 ريالًا للفئة المميزة.
وهذا التنوع في الأسعار يساعد على توسيع قاعدة الحضور، خصوصًا عندما يكون الحدث قريبًا جغرافيًا من جماهير دول الخليج أو المدن السعودية الأخرى.
وبالنسبة للسائح الرياضي، فإن تكلفة التذكرة ليست سوى عنصر واحد من تكلفة الرحلة. لذلك فإن وجود خيارات متنوعة للسكن والطعام والتنقل والترفيه يمكن أن يجعل قرار السفر لحضور المباراة أكثر سهولة.
ماذا يمكن أن تستفيد المدن الخليجية من السياحة الرياضية؟
التجربة لا تتعلق بجدة وحدها. فالمبدأ يمكن تطبيقه على مدن خليجية مختلفة عندما تستضيف بطولة أو مباراة دولية أو نهائيًا أو فعالية رياضية جماهيرية.
المدينة التي تستضيف الحدث تستطيع ربطه بمعالمها السياحية وبرامجها الثقافية والترفيهية، بحيث يصبح المشجع زائرًا للمدينة وليس مجرد متفرج داخل الملعب.
وهذا يخلق فرصًا لقطاعات متعددة في الوقت نفسه: الفنادق، المطاعم، المقاهي، شركات النقل، المتاجر، منظمو الجولات، الفعاليات الترفيهية، والمتاجر التي تبيع المنتجات والهدايا الرياضية.
كما أن وجود جماهير من دول مختلفة يضيف بعدًا تسويقيًا للمدينة نفسها. فالمشجع الذي يعيش تجربة جيدة قد يعود إليها مستقبلًا للسياحة حتى في غياب مباراة، أو يرشحها لأصدقائه وعائلته.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين مباراة السعودية وعُمان والسياحة الرياضية في جدة بصورة أوسع. فالفوز السعودي كان الحدث الرياضي الذي جذب الانتباه، لكن المدينة قدمت للمشجعين أسبابًا إضافية للبقاء والاستكشاف والإنفاق وتجربة وجهة سياحية جديدة.
كرة القدم كمدخل لاكتشاف الوجهة
أثبتت مباريات «خليجي 27» أن كرة القدم الخليجية قادرة على تجاوز حدود الملعب عندما تتوافر مدينة تستثمر في الحدث وتربطه بمقوماتها السياحية.
وبالنسبة للجمهور، يمكن أن تبدأ الرحلة بهدف بسيط: مشاهدة المنتخب. لكن التجربة قد تنتهي بزيارة جدة التاريخية، والاستمتاع بالواجهة البحرية، وتناول الطعام، والتسوق، واكتشاف أماكن جديدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للسياحة الرياضية؛ فهي لا تستبدل السياحة التقليدية، وإنما تضيف سببًا جديدًا للسفر في توقيت محدد، وتمنح المدن المستضيفة فرصة لإظهار ما لديها أمام جمهور يأتي إليها بدافع عاطفي ورياضي قوي.
ومع استمرار استضافة السعودية للبطولات والفعاليات الرياضية الكبرى، يمكن أن يصبح هذا النوع من السفر أكثر حضورًا في المشهد السياحي، خصوصًا عندما يتم تصميم البطولة باعتبارها تجربة للمدينة والمشجع معًا، وليس مجرد مباريات تقام داخل الملاعب.

0 تعليقات